مكتبات دمشق حين تخسر المدينة نوافذها إلى المعرفة
تعودت دمشق منذ عقود طويلة أن تحتضن بين أحيائها مكتبات عامة وخاصة شكّلت ملتقى للمثقفين والطلاب والقراء العاديين على حدّ سواء. غير أن موجة الإغلاقات المتتالية التي تضرب هذه المكتبات منذ مطلع هذا العام 2026 أعادت إلى الواجهة سؤالاً ثقافياً بالغ الحساسية: ماذا تخسر المدينة حين تُغلق نوافذها على المعرفة؟
لماذا أصبحت قضية مكتبات دمشق رائجة الآن؟
جاء تداول الموضوع على نطاق واسع خلال الأيام الماضية بعد تقارير محلية أشارت إلى تراجع عدد المكتبات العاملة في العاصمة السورية، سواء بسبب أعباء الإيجار المرتفعة أو صعوبة استيراد الكتب الورقية في ظلّ تقلّب أسعار الصرف. وتزامن ذلك مع تفاعل واسع على منصات التواصل الاجتماعي حيث وثق ناشطون مشاهد لإغلاق مكتبات عريقة كانت قد صمدت لسنوات طويلة، وهو ما أعاد طرح ملف العلاقة بين الكتاب والمدينة في سياق الأزمة الاقتصادية الراهنة.
جذور الظاهرة وأبعادها الثقافية
لم تكن الأزمة الحالية وليدة اللحظة، بل هي امتداد لتراجع تدريجي شهده قطاع المكتبات في المنطقة العربية بأكمله منذ منتصف العقد الماضي. في دمشق تحديداً أسهمت عوامل عدة في تعميق هذا التراجع، أبرزها:
- ارتفاع كلفة استيراد المطبوعات وتراجع دور النشر المحلية.
- هجرة عدد من أصحاب المكتبات ومؤسسيها نحو أعمال أخرى أكثر استقراراً مادياً.
- تغيّر أنماط القراءة لدى الأجيال الجديدة لصالح المحتوى الرقمي المجاني.
- تضرّر بعض المباني نتيجة الأحداث السابقة وما تبعها من صعوبات في الترميم.
أثر الإغلاقات على القارئ والمشهد الثقافي
لا يقتصر أثر إغلاق المكتبة على خسارة مكان تجاري فحسب، بل يمتد ليطال الفضاء العام الذي تحتضنه المكتبة. كثير من القرّاء اعتادوا أن تكون المكتبة نقطة التقاء ثقافية تتجاوز بيع الكتب إلى تنظيم أمسيات شعرية وحلقات نقاش وورش قراءة. ومع اختفاء هذه الفضاءات تتآكل تدريجياً شبكة العلاقات بين القرّاء والمؤلفين والناشرين، ويتراجع رأس المال الثقافي الذي كانت تختزنه هذه المؤسسات الصغيرة.
مبادرات للحفاظ على ما تبقّى
في المقابل، برزت خلال الفترة الأخيرة مبادرات مدنية وشبابية تسعى إلى احتواء التراجع. من بين هذه المبادرات:
- إطلاق مكتبات مجتمعية صغيرة داخل المراكز الثقافية والفروع الأهلية.
- تنظيم حملات تبرع بالكتب لصالح المكتبات المهددة.
- التحوّل الجزئي نحو البيع الإلكتروني مع المحافظة على وجود فعلي محدود.
- تعاون بعض المكتبات مع دور النشر المحلية لتقديم إصدارات بأسعار مدعومة.
دلالات أوسع تتجاوز دمشق
ما يحدث في دمشق يعكس صورة مصغّرة لما تعيشه مدن عربية كثيرة حيث تتناقص فضاءات القراءة لصالح ترفيه رقمي سريع الاستهلاك. وبينما يحتفل العالم باليوم العالمي للكتاب في مثل هذه الفترة من كل عام، يذكّرنا المشهد الدمشقي بأن الكتاب الورقي ما زال بحاجة إلى من يدافع عنه بوصفه أداة معرفية وثقافية لا تقلّ أهمية عن أي وسيلة حديثة.